رحلتي

إبجار في قاربي الأدبي

 

ربما أجد نفسي مضطراً لأن أعلن أني شغوف جداً بالذكريات....
لدرجة تفوق التصور ....

ربما لأني أجد المتعة كل المتعة في تقليب قصاصات الماضي وسطور الزمن....

صحيح ربما في تقليب الكثير منها شيئاً من انبعاث الشجن وتحادر الدموع....

لكني أعشق الذكريات.....

لدي أرتال من الورق وأكواما من الدفاتر ...

طالما غضب منها الأهل.... وتعبوا في ترتيبها وتنظيمها....وألحوا علي كل الإلحاح في التخلص منها أو من بعضها ....

ربما تتفاجأ بأنك كتبت على باب بيتي أو سيارتي ورقة تخبرني فيها بقدومك أو بحاجتك – قبل وسائل التقنية- قبل أكثر من خمسة عشر سنة لتجدني لهذه الساعة محتفظاً بها.

الكثير من الكتب المدرسية تحمل شيئاً من عبث الطالب وذكرياته تحتل المكان الرحب من مساحات البيت والتي خصصت للذكريات.

ربما يهمك عزيزي القارئ ذكرياتي الأدبية وبدايتها وخطاي المتعثرة للوصول إليها .

دعني آخذك برفق وحنان عبر حلقات  متتالية إن شاء الله  لعل أن تجد في ثناياها شيئاً يفيدك :

الحلقة الأولى :

 لم تخل المحاولة الأولى من صبيانية  فلقد كانت برئية كبراءة ذلك الزمن وتلك المرحلة.

ذهب عنا أحد أصدقائنا لظرف مفاجئ ولم يكن رحيله بالأمر الهين فلقد كنا ثلاثة أصدقاء ، ثلاثة أجساد بروح واحدة ، كنا نقضي جل أوقاتنا معاً رغم تقدمهما علي بسنة دراسية .

كنت وقتها في الصف الخامس الابتدائي وكانت هذه القصيّدة شرارتي الأولى في الولوج لنار الشعر والتي تضرمت في مراحل عمرية متقدمة.

وللأسف فأني لا أحفظ من تلك القصيدة (إن صحت تسميتها) إلا بيتها الأول حيث قلت :

يا أبا بندر لِم تذهبُ عنا ونحن الأصدقاءُ

ولكونها البداية ولكوني أخشى انتقاد الزملاء فأني كتبتها بورقة صغيرة وأرسلتها له دون أن يعلم من القائل. حتى أنه وفي تجمع أولاد الحارة كان يخرجها من جيبه ويقرأها علينا وكان يقدم لها بأن هذه قصيدة قيلت فيه مدحا وتوديعاً ، وكنت لحظة إلقاءه لها كأني المتنبي أو عنترة فرحا وجذلا وحبوراً.

رجعت لنفسي فألغيت ذلك الإطراء منه ومن الحاضرين كتشجيع لي بالمواصلة في هذا الطريق أيا تكن النتائج.

تتابعت بعدها القصائد لكن على استحياء شديد وحذر أشدّ وما ذالك إلا لخشية أن يحل بي ما حل بصاحبي . 

الحلقة الثانية :

كان صاحبي محمد تجمعني به أكثر من رابطة الأخوة بل ينطبق عليه مقولة (رب أخ لك لم تلده أمك ) ، كانت الأفكار رغم ضعرها منسجمة متناغمة ، كنا نقضي الساعات الطويلة معاً دونما مللٍ أو كللٍ ، وكنا نتجارى في كتابة الشعر ويتلو كل واحدٍ منا قصيدته على الآخر ، ربما كانت المستويات متقاربة من الحضيض أو فوقه قليلاً فكرةً ومعنى ونظماً وقافية ، غير أنًّا باعتقادنا لحظة تدارسها بأنه هو الشعر الذي ما مثله.

غير أنه (صاحبي) أراد قطف ثمرة أدبه عاجلاً قبل استواءها ، فكان إذا اجتمعنا بزملائنا يطلب الأذن بأن يلقي ما عنده من قصيد على مسامع الشباب فقد كانت له طريقة متميزة بالإلقاء بنبره قوية وحماسة منقطعة النظير فإذا انتهى مما عنده أشار إلي وقال لهم : ألق ما عندك فإن عنده قصائد كثيرة فكنت أجيب بالنفي وأن أقصى ما أتمنى أن يكون لي من الشعر مثل ما لك ، وما ذاك إلا أن زملاؤنا قابلوا صاحبي بالسخرية والاستهزاء (كعادة الناس من المميز) وكانوا يتندرون بشعره وطريقة إلقاءه وكانوا يعيدون بعضاً من مقاطعة بحضرته مرة وبغيبته مرات.

استمر لمرحلة بسيطة واستمروا معه بالسخرية واللمز حتى آل به الحال إلى ترك الشعر وقوله بل والسخرية من كتابته ومن ما يلوح في سراب الذاكرة من قوله :

إذا شفت الرجل الصالح اللي تعرفه من بعيد

ربما ونتيجة لصدمة صاحبي لم أفصح عما أكتب آنذاك ولا حتى لأهلي حتى لا أقع في مأزق صاحبي الذي أستعجل قطف ثمرة أدبه فلم يأكل منها ولم يطعم غيره ، أما أنا فلربما وحتى هذه اللحظة لم تقطف تلك الثمرة ولولا الله ثم –هذا الموقع – لفسدت الثمرة في شجرتها.

ربما حينما أبصرت ما فعل الأقران بصاحبي رغم قوته وجبروته آثرت أن لا أُظهر ما عندي لعلمي الأكيد بأني أبالغ بالأحاسيس فقد تكون انتكاستي أشد من صاحبي محمد.

افترقت أنا وصاحبي في أحد منعطفات الحياة الكثيرة ولم أزل أكن له كل الود والاحترام كما يكن لي وإن كنت لا أراه إلا في الحول أو الحولين رؤية عابرة تقتصر على السؤال عن الحال والأهل والأولاد بعد مرور ما يقرب على سبع عشرة سنة.

لم أتوقف عن كتابة الشعر فكنت أعتزل في غرفتي وأكتب القصيدة تلو الأخرى في دفتر خاص شبيه بالدفاتر الدراسية وأقوم بإخفائه بعناية شديدة حتى لا تقع عليه عين أحد.

                 يتبع إن شاء الله

- سلطان بن سليمان البليهي

qswrh@hotmail.com